أمد/
يبدو قطاع غزّة بعد نكبة 2024، وحرب الإبادة الإسرائيلية، التي حوّلته إلى أرضٍ غير قابلةٍ للعيش، أمام نموذجين لبنانيين، يتمثّل الأول في نموذج 2006، الذي سيطر فيه حزب الله على مفاصل القرار سيطرةً تامةً، ومن دون أن يتولى السلطة توليًا مباشرًا، حينها انتهى الأمر بتحويله لبنان إلى دولةٍ فاشلةٍ، حسب تعبير وزير الخارجية اللبناني السابق “الآدمي” ناصيف حتي، وكما تؤكد الوقائع على الأرض، بعدما حطّم الحزب قدرات البلاد الاقتصادية الأربع، المتمثّلة بالبنوك والخدمات والسياحة والمغتربين، لدرجة أنّ لبنان، مهد الحضارة والأبجدية، لا يملك مدينةً إعلاميةً، ولم يعد للأسف مطبعة العالم العربي، أو ساحةً للنقاش والجدال الثقافي والفكري، كما لم نعد نجد الكتب والأفلام والمواد الممنوعة عربيًا في أسواقه ومكتباته. أما خارجيًا، فقد حوّل الحزب الدولة التي هيمن عليها إلى ذراعٍ إقليميٍ مركزيٍ لسياسات إيران التوسعية في العالم العربي، التي تبجحت بإقامة إمبراطوريةٍ فارسيةٍ عاصمتها بغداد، وتضم ثلاث عواصم وحواضر عربية أخرى، منها بيروت الخاضعة تمامًا لسيطرة الحزب، بغلبة السلاح وقوّته.
أما النموذج الآخر المطروح أمام قطاع غزّة، فيمكن تسميته لبنان 2025، الجمهورية الثالثة، الذي انطلق بعد الحرب الأخيرة أيضًا، إذ لم يعد بإمكان الحزب ترويج مزاعم الانتصار فيها مع طي البلاد صفحة الوصاية الإيرانية، سيئة الصيت، وهيمنة الحزب على مفاصل السلطة والقرار، وانطلاق السيرورة الواعدة نحو الجمهورية الثالثة، التي لا تزال في بداياتها الأولى، وتمثّلت مؤشراتها في انتخاب الرئيس جوزف عون، وخطاب القسم، ثم في تأليف حكومة العهد الأولى برئاسة نواف سلام، حكومة الإنقاذ والإصلاح، وبيانها الوزاري الواعد، من دون ثلثٍ معطلٍ لحزب الله وحلفائه، إذ لم يعد لديه ثمّة شيءٍ هكذا مع انهيار الوصاية الإيرانية، كما نظام آل الأسد في سورية، وانفتاح لبنان على نفسه وتاريخه وثقافته ومحيطه العربي والإقليمي والدولي، من دون نسيان هوية البلد العربية، ودوره الداعم للقضية الفلسطينية، والمقاوم على طريقته للدولة العبرية، بأنماطٍ وأساليب متعددةٍ قبل ظهور حزب الله وسلاحه بسنين عديدةٍ، بل عقودٍ طويلةٍ.
إذن، يبدو قطاع غزّة أمام نموذجين لبنانيين، بعد نكبة 2024، وجريمة الإبادة الجماعية الموصوفة، التي حوّلته إلى أرضٍ غير قابلةٍ للعيش، والتي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، كما تقول وكالات الأمم المتّحدة، ومنظمات حقوق الإنسان، وكما يعبر عنه قبول محكمة العدل الدولية النظر في دعوى جنوب أفريقيا ضدّ إسرائيل بهذه التهمه، في حين تبدو الإدانة مسألة وقتٍ فقط. تسعى حركة حماس، بوضوحٍ حتّى الآن، إلى تطبيق نموذج 2006، حتّى مع خسارتها الحرب عسكريًا، وادعاء الانتصار دعائيًا على أنقاض قطاع غزّة تمامًا، كما كان الحال مع حزب الله في لبنان، وهي، أيّ حركة حماس، مستعدةٌ للتنازل شكليًا عن السلطة، لكن مع بقاء كوادرها في المؤسسات السلطوية كافّة، حيث جلّ موظفي الفئة الأولى حمساويون، وكلاء وزراء، ومدراء عامون، ورؤساء أقسام، حسب التعبير اللبناني الدارج، مع الاحتفاظ بالسلاح والسيطرة والهيمنة المباشرة على الأجهزة الأمنية أيضًا، التي يسيطر أعضاؤها على المناصب العليا والمتوسطة وحتّى الصغرى فيها، في حين تعتمد فيها على أبناء قطاع غزة لرفد المنظومة الأمنية والإدارية بالعناصر والموظفين الخاضعين لإدارة أعضاء حماس، ما جعل الحركة تتحكم بها تحكمًا تامًا.
في ما يخص الضفّة الغربية، أقامت إسرائيل نظام فصلٍ عنصريٍ موصوفٍ يجب مواجهته وفق نموذج جنوب أفريقيا الناجح والمظفر
استمر فشل النموذج اللبناني الأول حتّى مع التعاطي الإيجابي والتغطية الأميركية له، ورغم محاولاتٍ عربيةٍ عديدةٍ، غير ناجحةٍ للأسف، للعودة إلى روح التوافق، وروح دستور الطائف. شهد النموذج اللبناني الأول أحداثًا عديدةً في ظلّ تغطيةٍ أميركيةٍ، خاصّةً زمن الرئيس باراك أوباما، منها الاتّفاق النووي مع إيران، وحقبة الديموقراطيين السابقة، التي استمرت مع جو بايدن، واتّفاقية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، عبر الوسيط الأميركي- الإسرائيلي، الذي خدم برتبة ضابط احتياطٍ في جيش الاحتلال عاموس هوكشتاين، وهي الاتّفاقية التي تنازل فيها الحزب عن ثروات البلاد وحقل كاريش من أجل الاحتفاظ بالهيمنة والسيطرة على الدولة اللبنانية، وهو ما كان قد رفضه الرئيس أمين الجميل في اتّفاق 17 مايو/أيّار 1983. ثمّ شهدنا أخيرًا فتح جبهةٍ مساندةٍ استعراضيةٍ دعمًا لقطاع غزّة، إذ هدفت تلك الجبهة أساسًا إلى حفظ ماء الوجه، بعد ترويج مصطلح “وحدة الساحات”، ومن أجل إبقاء هيمنة حزب الله على البلد، لذلك سعى الحزب لإرضاء هوكشتاين عبر إنهاء الفراغ الرئاسي لصالحه ولصالح حلفائه، ذلك الفراغ الذي فرضه الحزب بقوّة السلاح، وبطريقةٍ غير شرعيةٍ.
خسارة حرب 2006، التي قال بعدها أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله عبارته الشهيرة ” لو كنت أعلم “، ومن ثمّ عبارة “كنا مكشوفين أمام إسرائيل، وفارق القوّة الهائل لصالحها” وفق تعبير أمين عام الحزب الحالي نعيم قاسم، هي الأمور التي غذّت ما يمكن تسميته غرور أمين حزب الله العام السابق وحساباته الخاطئة، إذ لم يفهم أنّ إسرائيل شنت عليه الحرب الموسعة رغم رفض إدارة جو بايدن وتحفظاتها، ثمّ فرضت عليه اتّفاق وقف إطلاق النار المؤقت، الذي أقرّ فيه الحزب عمليًا بالهزيمة، رغم الضباب الدعائي، وهو المكشوف أمام إسرائيل، كما أشار أمينه العام الحالي نعيم قاسم، الذي لا يملك كاريزما وقدرات قيادية مناسبة، والمتواري عن الأنظار في تعبيرٍ صارخ، شكلًا ومضمونًا، عن الحالة التي وصلها الحزب وأوصل إليها البلد زمن سطوة السلاح وهيمنته.
خلال هذه الفترة تجاوز الحزب عن سبق إصرارٍ وتعمد الدستور، واتّفاق الطائف، والتوافق الوطني كما في إعلان بعبدا 2014، رغم موافقة الحزب عليه، الذي تضمن تكريس سياسة النأي بالنفس، وتحييد لبنان عن التطورات الإقليمية العاصفة التي انخرط بها الحزب، وأهدر وبدد فيها كامل رأس ماله الجماهيري المقاوم خلال السنوات الماضية.
الآن؛ تراهن حماس على اعترافٍ ما بالأمر الواقع في قطاع غزّة، مع بقاء سلطتها وفق نموذج لبنان 2006، الذي يعني التنازل عن السلطة شكلًا، مع التحكم بمفاصلها الرئيسية، الأمن والاقتصاد والاجتماع والصحة والتعليم، لكنه يعني من جهةٍ أخرى استمرار حصار وعزلة القطاع المنكوب في ظلّ سيطرة حماس، وبطء إعادة الإعمار، التي ستستغرق وفق وتيرتها السابقة قبل الحرب سنواتٍ وعقودًا، بل ربّما قرونًا طويلةً أيضًا، كما تقول الأمم المتّحدة.
من جهةٍ أخرى، يعني ذلك تكريس، بل تأبيد الانفصال والانقسام مع الضفّة الغربية، وبالطبع لن تطلق رصاصةٌ واحدةٌ من قطاع غزّة، وستكون هدنةً طويلةً مع الاحتلال، من دون أفقٍ سياسيٍ يؤدي إلى الدولة الفلسطينية، مع تحديثٍ ما يتعلق بفرض رقابةٍ إسرائيليةٍ وإقليميةٍ ودوليةٍ صارمةٍ لضمان عدم التسلّح مقابل البقاء في السلطة، علمًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على سيطرة حزب الله في ما يشبه الحكم الذاتي على البلد كلّه، لكن مع عدم إطلاق رصاصةٍ واحدةٍ على إسرائيل، إذ كانت الفترة بين 2006- 2024 الأهدأ في تاريخ الجبهة اللبنانية – الفلسطينية، وهي الحالة التي أغرت الحزب، ودفعته إلى التدخل ضدّ إرادة الشعوب العربية في سورية والعراق واليمن، ما مثّل نقطةً مفصليةً في مسار منحنى هبوطه.
أما خيار غزّة الثاني، أيّ نموذج لبنان 2025، الجمهورية الثالثة، الواعد، مع تحديثٍ فلسطينيٍ عبر تأليف حكومة توافقٍ وطنيٍ، برئاسة شخصيةٍ كفؤةٍ نزيهةٍ، لفرض نهج سلطةٍ واحدةٍ وقانون واحدٍ، وحصرية السلاح، أي مع تعميم حالة جنوب لبنان، والبلد عمومًا، على قطاع غزّة كلّها، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وخوض الصراع السياسي والمقاومة الشعبية في الضفّة الغربية، على اعتبارها ساحة الصراع المركزية في مواجهة الاحتلال، مع عدم تجاهل ساحات المقاومة الأخرى، السياسية والدبلوماسية والقضائية، فضلاً عن ساحات الخارج من لاهاي إلى نيويورك، مرورًا بحواضر العالم الكبرى، الذي يتقبل الرأي العام فيها الرواية الفلسطينية العادلة.
يبدو قطاع غزّة أمام نموذجين لبنانيين، بعد نكبة 2024، وجريمة الإبادة الجماعية الموصوفة، التي حوّلته إلى أرضٍ غير قابلةٍ للعيش
في ما يخص الضفّة الغربية، أقامت إسرائيل نظام فصلٍ عنصريٍ موصوفٍ يجب مواجهته وفق نموذج جنوب أفريقيا الناجح والمظفر، عبر حزمةٍ مقاومةٍ متعددة الأساليب، تديرها قيادةٌ شرعيةٌ موثوقةٌ ومنتخبةٌ بعد فترةٍ انتقاليةٍ لعامين أو ثلاثة. هذا يكفل بالتأكيد مواجهة خطة دونالد ترامب، ومنع تهجير أهالي قطاع غزّة، ونزع كلّ الذرائع الإسرائيلية والأميركية لشيطنة قطاع غزّة وأهلها، من دون التنازل عن نهج المقاومة الرحبة، واستمرار النضال المشروع لتحقيق الآمال الوطنية، وفي مقدمتها الحقّ بتقرير المصير.
يجب الانتباه إلى أنّ هذا التحدي غير مطروح على حماس وقطاع غزّة فقط، إنّما على كلّ الطبقة السياسية الفلسطينية، وتحديدًا على السلطة في رام الله، عبر تنازلٍ تدريجيٍ للرئيس محمود عباس لإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، وإجراء مراجعةٍ لنهج المفاوضات والعسكرة، واستخلاص العبر، فإنّ الطائف بمثابة الدستور في لبنان، لدينا في فلسطين وثيقة الوفاق الوطني، وبقية وثائق المصالحة، وحتّى القانون الأساس، باعتباره الدستور المؤقت، مع ضرورة استنساخ نموذج حكومة الإصلاح والإنقاذ للرئيس نواف سلام في لبنان، وانفتاحٍ مماثلٍ على المحيط العربي، والمجتمع الدولي لمعالجة قضيتنا العادلة وتسويتها.